آخر الأخبار

سؤال الثقافة بمدينة الفنيدق: موت الذاكرة وعقم الخطاب ..

Share Button

1013509_368471543274739_709346478_n

بقلم:  أنوار عزوز

يقال عادة بأن المدن الساحلية تكون أكثر قدرة على إنجاب المبدعين، ربما بسبب خاصيتها الجغرافية المفتوحة على العالم، فالحواجز المائية كانت عبر التاريخ جسرا مستفزا للغازي الأجنبي، الذي يمخر عبابها بسفنه وهو يشتعل بطموح الهيمنة والقوة..

وبالنسبة للمبدع، فقد كان البحر بالنسبة له عنصرا استيهاميا وتأمليا غنيا، قادر بإيحاءاته الملهمة، على تفجير مواهبه الإبداعية، وجعل عطاءه على صعيد الكلمة أكثر إشراقا وعمقا. لكن السؤال المؤلم الذي نطرحه، بصدد واقع الثقافة بالفنيدق هو الآتي :

لماذا لم تنجب المدينة مبدعا كبيرا، يبصم ذاكرتها الثقافية بإسمه ، ويكون سفيرها على الصعيدين المحلي والوطني، ولم لا حتى العالمي؟.

فبعض المدن المغربية، أنجبت أسماءها الحميمة، التي تعتبر بمثابة فلذة كبدها إن صح هذا التعبير، ومتحدث بعقلية إبداعية وتأريخية بل وحتى أنتروبولوجية غنية ومتفردة، عن ذاكرة المدينة وفضاءها المعيش. ويحضرنا في هذا الصدد بعض الأسماء، أمثال شكري طنجة ومحمد أنقار تطوان ومبارك ربيع البيضاء و طيب صديقي الصويرة الخ.

لكن الفنيدق، بالرغم من جماليتها الجغرافية الساحرة، التي تدخل في نطاق ما أسماه الجغرافي  المصري جمال حمدان، ب” عبقرية المكان”. لكنها ثقافيا بقيت تعيش بؤسا شقيا، وفراغا مخيفا..

والسؤال التالي هو : لماذا ؟..

الجواب يختصر في كل بساطة برأيي في الأسباب التالية :

1-      عقم الذاكرة التاريخية : يجب أن نقر بنوع من الألم، بكون مدينة الفنيدق لم تحظ بشرف لعب أدوار تاريخية عميقة وراسخة ومؤثرة، على الصعيد الحضاري الوطني..لا ندري السبب في واقع الأمر.. هل نغامر ونتبنى المنطق الخرافي في التحليل ونقول بأنها مدينة غير محظوظة، ومسكونة بلعنة ما ؟..

طبعا نحن بعيدون عن هذا النمط المفارق في التحليل، والذي ينتمي للميثولوجيا، لكننا مجبرين مع ذلك على الإعتراف بهذه الحقيقة الحارقة، والتي تحز في النفس. فالتاريخ يخبرنا بأن الفنيدق، كانت دائما ممرا عابرا خارج إطار المحطات المفصلية المؤثرة في تاريخ المملكة. فهي لا تذكر في بعض المراجع التاريخية الا بهذه الصفة.فمثلا في القرن السابع عشر ذكرها مستشرق اسباني يدعى غوستو في كتابه عن الموريسكيين بالمغرب.بإسمها الاسباني كاستييخوس والذي يعني القلعة بالاسبانية.باعتبارها فضاء للاستراحة بالنسبة لكهنة جمعية الثالوث المقدس ونظيرتها جمعيةالعذراء. اللتان كانتا تأتيان من سبتة البرتغالية لإفتداء أسرى القراصنة الموريسكيين التطوانيين.وفي تاريخها المعاصر لانجد شيئا مثيرا للانتباه وذو قيمة تاريخية وازنة،بإستثناء حادثة تهريب الجينرال فرانكو المطارد من الشيوعيين الإسبان، من قبل أبناء مدشر “البيوت” في بني مزالة، والذين أخفوه في هودج العروس “البوجا”، وأدخلوه الى سبتة..

وقانون الدورة الحضارية واضح في هذه المسألة : إن مدينة بلا تاريخ، لن تفلت من وضع مصيري يدخل في خانة”التشرذ الحضاري” ، وستحيا دوما بصفتها مدينة لقيطة..

غير أن الإستثناء يبق واردا، في حالة واحدة فقط : أن يتمتع معمريها من النازحين بمؤهلات ثقافية وفكرية عالية، قادرة على تأهيل المدينة عمرنيا وحضاريا، ودفعها للعب أدوار طلائعية، على غرار ما فعله الهورناتشيون ( موريسكيو الرباط ) بالعاصمة ، أو زملاؤهم بتطوان وفاس. لكن قدر الفنيدق كمنطقة حدودية من جهة، وانخراطها في مشروع العقوبة الجماعية للمخزن، ضد المناطق الشمالية عامة، باعتبارها بؤر متمردة وفوضوية ( خطاب الأوباش). من جهة ثانية، جعلها مجرد فضاء لإحتضان الأنشطة الإقتصادية غير المشروعة، والتي غذتها ثقافة الجهل والأمية، التي حملها معهم النازحين إليها اللذين كانوا في معظمهم، بدويين فقراء بلا تعليم، وذوي ثقافة معيشية غارقة في العشوائية والهم اليومي والإلتصاق بالحاجيات الغرائزية فقط..

2-      الإستفادة المتأخرة جدا من البنيات التحتية الأساسية لللتعليم : ويتمثل هذا الأمر أساسا، في غياب ما يصطلح عليه بالتعميم المجالي للخارطة المدرسية.فإلى حدود أواخر الثمانينيات، كانت المدينة تعيش فقرا مزمنا على صعيد التغطية اللوجيستية المرتبطة بالمرافق التعليمية العمومية، فبإستثناء مؤسستين أو ثلاث للتعليم الإبتدائي وإعدادية واحدة،  كانت الفنيدق على صعيد التأهيلي الثانوي مجرد ملحقة قروية تابعة للمركز المديني التطواني.ومادام الفعل البشري البناء والمنتج هو نتاج فكر بناء ومؤهل معرفيا، كان من الطبيعي أن تغرق الثروة البشرية الفنيدقية في العقم والهامشية والإقصاء من دائرة القرار والفعل على صعيد الإختيارات الإستراتيجية الهامة للبلاد، بإعتبارها عينات آدمية بدون جدوى و فاسدة، بل وجاهلة..

3-      إنحراف المسار الجيواستراتيجي للمدينة، في إتجاه قنوات اللامشروع والعشوائيات : ونعني بذلك إقصاء الفنيدق لمدة طويلة من قائمة الإختيارات الإقتصادية ذات البعد المقاولاتي المنظم، لصالح هوامش الإقتصاد العشوائي الفوضوي، والمدمر للنسيج الإقتصادي الوطني.وعلى رأسها التهريب الحدودي والمهاجرين السريين والمخدرات ثم الخمور، الأمر الذي نتج عنه كبنية فوقية، تفشي ثقافة العنف والإجرام وجميع أنواع السلوكيات المحكومة بسلطة الغرائز، وردود الأفعال الميكانيكية المتخشبة، تماما ككلب بافلوف في تجربة عظمته الشهيرة ..

4-      التضخم النرجسي المفرط لبعض نخب المدينة على قلتهم : من الظواهر الغريبة بشأن ما يمكن وصفهم ب”النخبة المحلية” للمجتمع الفنيدقي، هو ذلك الحضور اللافت للإستعلاء وجنون العظمة. فبعض المتخرجين من الأطرالذين هم من أبناء المدينة، يبالغون في إظهار إستعلائهم وغرورهم ضد من يعتبرونهم ” جهلة وأميين، راكموا الأموال بطرق غير مشروعة” و الخطاب موجه طبعا للساكنة المحلية. وغير خاف أن هذا النوع العلائقي المبني على التحقير والتعالي والنرجسية المفرطة، هو سلاح دو حدين، إذ أن واقع حال علاقة هذه النخب الفنيدقية على قلتها، حتى مع بعضها البعض، نجده لا يخلو من آثار هذه النزعة القطيعية المعرقلة لأية مبادرة تنموية محلية ذات طابع ثقافي مثمر وهادف، فمثال الجمعيات الناشطة في حقل المجتمع المدني الفنيدقي، نجدها غارقة في ظاهرة الفعل الجمعوي الموسمي الطابع، ناهيك عن معاناتها المرضية من داء التسييس الفتاك، بالإظافة إلى تفشي ثقافة الغنيمة وعقلية الريع، مع إستثناءات محدودة جدا، إنبنت في خارطة عملها الجمعوي على شعار الصدق والمصلحة العامة ونكران الذات.. هذا بدون نسيان قائمة تضخم الجمعيات على الورق، وغيابها على صعيد الميدان، الأمر الذي يفسر بداهة، بتغلغل قيم الجشع المادي طمعا في الدعم الممنوح، والأنانيات الفردانية، واتخاذ نبل المقاصد الجمعوية مطية للتصالح مع السلطة المحلية، وبناء النفوذ وتحصين الإمتيازات المراكمة بأساليب مشبوهة..

5-      ضعف التراكم المحصل على صعيد الإنجازات الثقافية : والأمر بدهي، مادامت المدينة ما تزال تعيش تصادما إنفصاميا خطيرا، مع تقاليد الكتاب ومايرافقه من طقوس القراءة المفضية لدائرة الكتابة الإبداعية، فبإستثناء أسماء قليلة جدا، إن لم نقل نادرة، على صعيد ما يمكننا إعتباره مجازفة فضاءا ثقافيا محليا (خالد الدامون، أمينة الجباري، نعيمة الغندوري في حقل الكتابة الشعرية، ومجلة العروس لصاحبها عبد الواجد الأمي)، فإن فعل الإبداع ما يزال لم يجد الحضن الدافئ اللائق به في البيئة الفنيدقية، مادام سؤال القارئ المؤسس لشروط تحقق الفعل الإبداعي ما يزال غائبا..

6-      تهميش المجلس البلدي لمدينة الفنيدق في قائمة برامجه المحلية لقضية الثقافة : إذا كانت المادة 53 من الميثاق الجماعي الجديد، تلزم المجالس الجماعية والمنتخبين الجماعيين، بضرورة الإلتفات لشروط التنمية بمفهومها الإجتماعي والإقتصلدي ثم الثقافي. فإن بلدية الفنيدق للأسف الشديد، بحكم ضعف مستوى تكوين منتخبيها، وإنغماس فاعليها من النخب المحلية في دائرة الصراعات السياسوية ببعدها المصلحي الضيق، وتحكم لوبيات الفساد عن بعد في مسار برامج وتوجهات السياسة التنموية المحلية الجماعية، والتي لا تخدم سوى المصالح الخاصة لهذه اللوبيات وتنمي بالتالي من  أرصدة مشاريعهم وصفقاتهم المشبوهة، وذلك على حساب أي هاجس تنموي ثقافي بناء، قد يؤسس لشروط مشاريع ثقافية مدرة للدخل، وفاتحة بالتالي للمدينة أفق نهضة إقتصادية واعدة، فائمة على أساس  ما يسمى بالسياحة الثقافية، والتي جنت من ورائها المدن الإسبانية الجنوبية ثروة هائلة، وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا، بسبب توفر رؤية تنموية ثقافية ذات بعد جيواقتصادي فعال..

وأخيرا، يمكننا إنهاء مقالتنا بمسألة طالما حيرت مؤرخي الفلسفة اليونانية من المستشرقين الغربيين، المتباهين وفق رؤيتهم الكولونيالية الملغومة، بقضية عقلانية الفكر اليوناني والذي هو طبعا، الجبهة الحضارية الأولى المتقدمة في خطوط عملية مزاعم التفوق العرقي الآري على باقي الأجناس، وعلى رأسها الجنس السامي العربي :

لقد شكلت إسبارطة الحلقة الأضعف في الإستراتيجية الدعائية الإستعلائية الغربية،والهاجس المؤرق لكونها لم تنجب ولو فيلسوفا واحدا، بل إن أهلها كانوا عبارة عن شعب من البرابرة و الهمج المحاربين..

إن ما يخيفني في هذه المسألة، هو أن يصبح قدر مدينة الفنيدق على الصعيد الثقافي، مبصوم بتهمة إسبارطة ……المغرب وليس اليونان…..

عن تمودة تطوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى